تُعد الحركة الكشفية في مصر أقدم الحركات الكشفية في العالم، وقد لعبت منذ نشأتها دورًا وطنيًا وتربويًا بارزًا في المجتمع المصري.
بدأت الفكرة في مصر في أوائل القرن العشرين، بعد أن أسس اللورد بادن باول الحركة الكشفية العالمية في إنجلترا عام ١٩٠٧. ولم يمر وقت طويل حتى انتقلت الفكرة إلى مصر عن طريق المدارس والإرساليات الأجنبية والجاليات الأوروبية، ثم سرعان ما تبناها المصريون بحماسة كبيرة.
تشكّلت بعض الفرق الكشفية في المدارس بشكل غير رسمي عام ١٩١٤ في الإسكندرية ثم القاهرة، رغم معارضة الاحتلال الإنجليزي. ولعل أبرز مظاهر تلك المعارضة كانت محاولة نفي وإبعاد عدد من قادة الكشافة المصرية الأوائل خارج البلاد.
بعد الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٨، انتشرت الحركة في المدارس الحكومية والأهلية، وكان من أبرز الداعمين لها آنذاك صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول، الذي رأى فيها وسيلة لتربية النشء على النظام والانضباط وحب الوطن، فأمر بإدخالها تحت لواء وزارة المعارف (وزارة التعليم).
وما لبثت الكشافة المصرية أن ازدهرت وأصبحت جزءًا من الحياة العامة، حيث شاركت في المناسبات الوطنية والمواكب الملكية والاحتفالات الرسمية. كما لعبت دورًا كبيرًا في دعم ثورة ١٩١٩ من خلال تنظيم الإمدادات ونقل الرسائل ومساعدة الجرحى، مما رسّخ صورتها كحركة وطنية وليست مجرد نشاط شبابي.
تأسست رسميًا أولى الجمعيات الكشفية عام ١٩٢٠ تحت اسم جمعية الكشافة المصرية لتكون الجهة المنظمة للحركة في البلاد، وسرعان ما نظّمت فعاليات كبرى، كان أبرزها دعوة اللورد بادن باول لزيارة مصر عام ١٩٢١ في مهرجان كشفي ضخم. وانضمت الجمعية إلى المنظمة الكشفية العالمية عام ١٩٢٢ بعد نيلها الاعتراف الدولي، لتصبح مصر من أوائل الدول العربية المنضمة رسميًا للحركة العالمية.
في فترة ما قبل ثورة يوليو ١٩٥٢، كانت الكشافة المصرية تحظى برعاية الأسرة المالكة (أسرة محمد علي باشا)، إذ كانت تُعد وسيلة لتنشئة الشباب على الولاء والانتماء الوطني. ومن أبرز مظاهر هذه الرعاية تنصيب صاحب السمو الملكي الأمير فاروق ككشاف أعظم، وصاحبة الجلالة الملكة فريدة كمرشدة عظمى، والأميرة فريال كزهرة عظمى، كما كانت الكشافة ضيفًا دائمًا في معظم الاحتفالات الملكية.
وبعد ثورة يوليو ١٩٥٢، أُعيد تنظيم الحركة مجددًا وبدأت مرحلة جديدة من التوسع والتأطير المؤسسي، تمخض عنها إنشاء الجمعيات الكشفية الحالية: الفتيان، البحرية، الجوية، والمرشدات عام ١٩٥٤. وفي العام نفسه، كانت مصر من الدول المؤسسة للمنظمة الكشفية العربية، حيث لعبت دورًا رائدًا في نشر الحركة الكشفية في الوطن العربي.
شاركت الكشافة المصرية في العديد من الأحداث القومية، مثل المجهود الحربي، وحملات التبرع بالدم، ومشروعات محو الأمية وخدمة البيئة. واستمرت في ريادتها حتى اليوم، إذ تُعد استضافتها للمؤتمر الكشفي العالمي عام ٢٠٢٤ تأكيدًا على مكانتها القيادية في الساحة الكشفية العالمية رغم مرور أكثر من ١١٠ أعوام على تأسيسها.
اليوم، تمثل الكشافة المصرية تراثًا حيًا يجمع بين الأصالة والتجديد، وتواصل أداء رسالتها في تربية الأجيال على قيم الانتماء والانضباط وخدمة المجتمع. كما تزخر مصر بتراث كشفي عريق من الوثائق والصور والرموز التي تؤرخ لمسيرة طويلة من العطاء والتأثير، وهو ما يعمل الأرشيف الكشفي المصري —أكبر أرشيف كشفي على مستوى الوطن العربي— على حفظه وتوثيقه للأجيال القادمة، وأفخر بكوني أحد مؤسسيه.
